دور الطـوارق في بناء ليبيا الجديـدة بعد ثــورة 17 فبرايــــر




بسم الله الرحمن الرحيم
ورقـــة بعنــوان
دور الطـوارق في بناء ليبيا الجديـدة بعد ثــورة 17 فبرايــــر
بقلم مهندس : محمد عبد الملك الأنصاري

محتوى الورقة يتضمن ستة عناصر هــي :-
- من هم الطوارق ؟ وكيف اكتسبوا خصوصيتهم ؟
- الطوارق والأمازيغ .
- حقهم بل واجبهم في الحفاظ على موروثهم الثقافي إثراء للتراث الإنساني .
- واقعهم المتخلف وأسبابه وكيفية النهوض به .
- دورهم في تقوية وحدة ليبيا .
- خاتمة .

أولاً :- من هم الطوارق ؟ وكيف اكتسبوا خصوصيتهـــم ؟
للإجابة على الشق الأول من السؤال نقول :-
1- الطوارق تسمية أطلقها المؤرخون المسلمون الذين انفردوا – دون غيرهم – بكتابة تاريخ شمال إفريقيا والصحراء الكبرى ، على تلك المجموعات البشرية التي قدمت من منطقة ( المهرة ) باليمن إلى إفريقيا جالبة معها جمالها المهرية إلى القارة واستوطنت الصحراء الكبرى أي طرقته فهم طوارق ، وذلك في القرن الثاني قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام .
وكانت تلك المجموعات قد اشتركت مع القائد البونيقي هانيبال ( حنبعل ) في حروبه البونيقية الإفريقية ، وأستعمل جمالها كمدرعات بدلاً من الفيلة التي كان يستعملها في حروبه البونيقية الأوربية التي دامت ثمانية عشرة عاماً . ولو أن الجمل كان موجوداً بإفريقيا قبل ذلك لما تكبد هانيبال عناء إصطياد الفيل الليبي وتدريبه على الحروب .
2- إن خلو رسومات الكهوف المنتشرة في كهوف جبال الصحراء الكبرى ، العائدة إلى عصـــــــــور ما قبل التاريخ ، خلـــوها من صور الجمل دليل على أنه لم يكن معروفاً لإنســــان ذلك الزمان القاطن بالصحراء الكبرى ، أي أنه لم يكـــــن موجوداً بالمنطقة ، وتلك الرسومات – في إعتقادي – تعود للجنس الحبشي الذي كان يستوطن المنطقة قبل مجيء الطوارق إليهـــا . فالرسومات والمقابر المنتشرة بجوارها تنطق بأنها تعود لحضارة الفخار المعتمدة على الالتقاط والصيد .وتلك حضارة أدنى رقياً من حضارة العصر الذي قدم فيه الطوارق ، أصحاب المهاري والسيوف والرماح للصحراء الإفريقية الكبرى .
3- إن إحتفاظ الطوارق بالكتابة الفينيقية – البونيقية – ( تيفيناغ ) أي تان الفينيقيين ، دون غيرهم من سكان شمال إفريقيا كان نتيجة لرفض أصحاب المهاري التعامل والتعاطي مع الغازي الروماني ، والوندالي والبيزنطي ، فانزاحوا جنوباً متوغلين في الصحراء الكبرى والساحل حتى منحني نهر النيجر ( بوكل دي نيجر ) أي أن انعزالهم في الصحراء هو الذي مكنهم من الاحتفاظ ( بالتفيناغ ) بينما نسيها أولئك الذين تعاملوا مع الرومان ، لحلول اللاتينية محل البونيقية التي كانت تيفيناغ أبجديتها .
4- بعد الفتـــــــح الإسلامي في البرقـــــــــة ، إنضـــــم البرقاويون المسلمون للجيش الإسلامي المتجــــــــه غربــــــاً ، وكان من بين صفوفهم ( طارق إبن زياد ) اللواتي والذي مــــا وصــــــــل جيش الفتــــــــح إلى طنجة حتى صار قائداً له ، فعبر به المضيق وخطب باللغة العربية خطبته الشهيرة ، الأمر الذي يدل على أن طارقاً وأهله كانت تجمعه بالفاتحين ثقافة واحدة ، وبعد إسلامه أستوعب بسرعة فائقــــــــة اللغة العربية الحديثة والفقه الإسلامي – اللذين كان إتقانهما شرطاً لازماً لمن يتبوأ قيــــــــــادة جيش من المسلمين ، بين صفوفه كثير من التابعين ، علاوة طبعاً على الشجاعة وحسن القيادة .
5- اندماج الطوارق أو الأمازيغ أو الليبيين مع الفينيقيين القادمين من الشام ، مخترعي أول أبجدية في التاريخ ، وتأسيسهما لحضارة جديدة هي الحضارة البونيقية ، أي الليبية – الفينيقية - واعتناقهم للإسلام سلمياً يعني أنهم وجدوا في الإسلام ضالتهم لسد الفراغ الروحي الذي كانوا يشعرون به في حياتهم ، كما أن تزويجهم للدعاة المسلمين واندماجهم معهم بسرعـــة كبيرة دلالـــة على أن ثقافة الفينيقيين والليبيين والمسلمين الفاتحين تستقي من بئر واحد .
6- قبائل الطوارق التي لم تنل حظاً وافراً من التعليم العربي الإسلامي ، لازالت حتى اليوم تسمى مواليدها بأسماء جاهلية مثل :- طرفة – أمية – خنجر – فهر – ثاقب – عنترة – جبل – اليزيد – جمرة – الطياف - هود ... الخ ، بينما اختفت هذه الأسماء في المجتمعات العربيــــة بعد الإسلام ، دليل على أن تلك القبائل تعود إلى أصول يمانية .

وللإجابة على الشق الثاني من السؤال أي كيف اكتسبوا خصوصيتهم نقول :-
1- انعزالهم في الصحراء الكبرى الشاسعة ، جعلهم يحتفظون بكثير من مقومات حياتهم في شبه الجزيرة العربية التي وفدوا منها قبل حوالي ألفين ومائتي سنة ، والدارس للأدب الجاهلي ويعرف جيداً حياة إموهاغ أو إموشاغ أو إمازغن لا يسعه إلا أن يعترف بتطابق الأنماط الثقافية للمجتمعين ، المجتمع الجاهلي في جزيرة العرب ومجتمع إموهاغ أو إموشاغ أو إمازغن ..
2- عطشهم لحياة البداوة المتحررة من أثقال المدنية المادية غالا من انعزالهم حتى صاروا كالغزلان الشاردة .
3- بغضهم للكافر النصراني الموروث عن أيام الحروب البونيقية زاد من إنعزالهم حتى عن إخوتهم الذين استعمروا وتعاملوا مع المستعمر اضطرارا .

ثانياً :- الطـــوارق والأمـــازيــــغ :-
تسمية الطوارق تعود للقرون الوسطى ، وقد أطلقها المؤرخون المسلمون على القبائل التي تتوغل في الصحراء الكبرى ، وتجعل من التعمم واللثام الذي يغطي كامل الوجه عدا العينيين لباساً أساسياً للرأس وأبــــــــرز مثال لهم الصنهاجيون مؤسسي دولة المرابطين العظيمة . أما تسمية الأمازيـــــــغ فهي حديثـــــــــــــة ولا أعرف بالتحديد تاريخ ظهورها إلا أنني مقتنع بتفسير البعض لهـــــــا على أنها مشتقة من أحـــــد الاسمين – إمازغن أي النبلاء ، أو إموزغن إو إمزاغن التي تعني بالعربية الحديثة النجوع .
وكلا التسميتين الطوارق والأمازيغ ، أعتقد أن المقصود بهما الجنس الأبيض أو القمحي الموغل في قدم إستطانه لشمال إفريقيا والصحراء الكبرى . والثابت عندي هو أنهم جزء من مجموعة بشرية واحدة تعيش على طول الحوض الحضاري الواقع في الامتداد الجغرافي من عمان شرقاً إلى موريتانيا غرباً ، وكان هذا الامتــــــــداد مسرحاً لمدٍ بشري منذ عشرين ألف سنة في الاتجاهين من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق .
وأبرز مؤشرين على ذلك هما :-
أ‌- انتشار عبادة الفينيقيين أو القرطاجيين أو البونيقيين القاطنين بشمال إفريقيــــا والمتمثلـــــــة في الإلــــــه ( بعل ) والآلهة ( تانيت ) في نفس الوقت الذي تنتشر فيه في جزيرة العرب . قال تعالى ( أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين ) سورة الصافات .
ب‌- انتشار الإسلام على امتداد هذا الحوض الحضاري خلال مائة سنة تقريباً ، أي بسرعة فائقة رغم بطء وسائل المواصلات وبعد المسافات .
أما التخريج الذي يحاول البعض تسويقه بإيعاز وتحريض من قوى خارجية عن المجموعة البشرية التي تعيش في الحوض الحضاري المذكور ، والزاعم بأن العرب حكموا أو استعمروا شمال إفريقيا والصحراء الكبرى مدة أربعة عشر قرناً وأتسم حكمهم بالجور والتسلط على السكــــــــان المحليــــــين أي الطـــــــوارق أو الأمازيغ ، نجزم بأن هذا التخريج لا يقف على أدلة علمية تاريخية تسنده ، فالذي لديه إلمام بسيط بالتاريخ ، يعرف أن الحكم العربي لشمال إفريقيا قد انتهى وزال بسقوط دولة بني أمية سنة 743 م أي أنه لم يدم أكثر من مائة عام .
ومنذ هذا التاريخ أي سنة 743 م بدأ الأمازيغ أو الطوارق يحكمون أنفسهم بأنفسهم من خلال أكثر من عشر أسر حكمت الشمال الإفريقي حتى مجيء الأتراك العثمانيين سنة 1551 م ، ولم يحدث أن قال حاكم واحد من هؤلاء أن المغرب أمازيغي ، أو طارقي ، أو بربري ، وأن اللغة العربية دخيلة ، بل عملوا كلهم على نشرها وتطويرها ، وبرز من قومهم علماء أجلاء أثروا الحضارة العربية الإسلامية بمؤلفاتهم اللغوية والفقهية ، التي تنضح بها أسفار الكتب . هذا في الوقت الذي نجد فيـــــه الأتراك والفرس ، والأفغان ، والباكستان حكموا من الخلافتين الأموية والعباسية أكثر من خمسة قرون ، وبمجرد سقوط الخلافة عادوا إلى أصولهم ولغاتهم . ذلك لأنهم لا يعيشون داخل الحــــــوض الحضاري الممتــــــــد من عمان شرقاً إلى موريتانيا غرباً .
وفي ما يلي أسماء الأسر الأمازيغية أو الطارقية التي حكمت شمال إفريقيا من سنة 743 م إلى مجيء الأتراك العثمانيين سنة 1551 م :-
1- المرابطـــــــــــــــون . 2- المــوحـــــــــــــدون . 3- الفاطميــــــــــــــــــــــــون . 4- الأدارســـــــــــــــــــــــــة .
5- بنو رستـــــــــــم . 6- الحفصيــــــــــــون . 7- بنو عبد الواحد . 8- بنو غانيــــــــــــــــــــــة .
9- بنو زيــــــــــــــري . 10- بنو وطاس . 11- بنو خطــــــــــاب . 12- أولاد أمحمد .
13- الصفويين .
وقد شذت عن القاعدة أسرة عربية واحدة هي بنوا الأغلب ، فقد حكموا المغرب الأدنى ( طرابلس وتونس ) مـــــــــدة حوالي مائة وثلاثين سنة ، وكان من أهم إنجازاتهم فتحهم لصقلية وحكمهــــــم لهـــــــــــــا مدة تسعين سنة ، وقد لعبت صقلية دور المعبر الثاني للحضارة العربية الإسلامية إلى أوربا بعد المعبر الأول الأندلس .

ثالثاً :- حقهم بل واجبهم في الدفاع عن موروثهم الثقافي إثراءً للتراث الإنساني :-
سبقت الإشارة في العنصر الأول من هذه الورقة إلى أن الطوارق أو الأمازيغ مكون من مكونات الحوض الحضاري الواقع في الامتداد الجغرافي من عمان شرقاً إلى موريتانيا غرباً ، إلاّ أنهـــــــــم – حتى اليــــــوم – لازالوا يحتفظون بكثير من السمات الثقافية والتراثية الأولى لهذا الحوض الحضاري ، بينما اختفت تلك السمات كلياً أو جزئياً لدى الغير من المكونات البشرية للحوض ، بمعنى أن الموروث الثقافي أو التراثي لدى الطوارق أو الأمازيغ الصحراء من لغة وفنون وعادات وتقاليد ومقتنيات وأنماط حياة تعود لأكثر من ألفي سنة ، يعتبر كنزاً إنسانياً لا يقدر بثمن يجب على الإنسانية جمعاء حمايته والحفاظ عليه ، ومن نافلة القول أن هذا الوجوب مخاطب به الطارقي أو الأمازيغي قبل غيره من بني الإنسان . وعلى هذا فتخيل معي مدى جهل وجور وعسف وغباء ذلك الذي يستهجن عليك محاولاتك للحفاظ على ذلك الكنز الثمين وإمتاع بني الإنسان جميعاً به . وإذا كان الأمر كذلك فإن حق الطوارق أو أمازيغ الصحراء في الحفاظ على موروثهم الثقافي يعتبر أمراً مفروغاً منه غير قابل للنقاش والمشكك في ذلك – من نكد الدنيا علينا – أن نتقاسم معه الاستظلال بظل دوحة الإنسانية .
رابعاً :- واقعهم المتخلف وأسبابه وكيفية النهوض به :-
حتى مجيء الاستعمار الغربي لمنطقة الطوارق أو أمازيغ الصحراء كان الطوارق يعيشون حياة طبيعية بسيطة هادئة يقتاتون على لحوم أنعامهم ، وصيد حيوانات البراري ويشربون ألبان أنعامهم ويقايضون فائض إنتاجهم باحتياجاتهم الأخرى كالملابس ، والحبوب ، والسكر . والشاي ، كما كانوا يحققون إيــــــراداً كبيراً من النقود من جراء الإتاوات التي يتحصلون عليها نظير حمايتهم لطـــــرق قوافــــل التجــــــارة الدولية التي تمـــــــــر عبر أراضيهم ، والتي كان أهمهـــــــا :- طريق غدامس – توات – ثم تمبكتو ، وطريــــــــــق غدامس – غات – إقدز ، ثم كوار ، وطريق سجلماسة ولاتة . وعموماً يمكننا القول بأنهم كانوا يتمتعون بمستوى مقبول اقتصاديا ، إن لم نقل أن أرستقراطيتهم كانت تحيا حياة مرفهة .
وبقدوم المستعمر الإيطالي والفرنسي هب الطوارق جميعاً لمقاومته وقد سجل المستعمر - خاصة الفرنسي – ملاحم مقاومة الطوارق ضده ، ويكفينا للتدليل على شراسة تلك المقاومة أن فرنسا التي استعمرت بلداناً كثيرة في جميع أصقاع الأرض لم تفقد عسكرياً برتبة عقيد إلاّ في بلاد الطوارق في معركة ( تكنباوت ) بين تمبكتو وقندام ، تلك المقاومة النابعة من الثارات المخزنة في العقل الباطن لعداوة قرطاج القرطاجية البونيقية الطارقية الأمازيغية – لروما – وأثينا التين وسمتهم بصفة البربرية فسمتهم بربر لا لشيء إلاّ لرفضهم للاستعمار الروماني الوندالي ، البيزنطي ، وقاوموه بقوة حتى طردوه من شمال إفريقيا ، وقد كان رحيل آخر فلولهم مع مجيء الفتح الإسلامي .
وبعــــــــد أن تمكن الفرنسيون من القضــــــــاء على المقاومــــة العنيدة للطـــــــوارق من تمبكتـــــــو إلى أزجر مروراً بأزواد – ومنكا – وآير – وإقدز – وآهقار بفضل التفوق الناري عليهم ، قرروا الإنتقام مبررين ذلك بالأسباب التالية التي يحلوا لي تسميتها : جرائر الطوارق ضد الغرب :-
1- شراسة مقاومة الطوارق لجيشهم : كما ذكرنا سالفاً .
2- إقامة الصنهاجيين أجداد الطوارق لدولة المرابطين العظيمة التي عبرت مضيق جبل طارق وعرف ذلك العبور في التاريخ بالفتح الثاني للأندلس الذي أخر خروج المسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية قرابة خمسة قرون . وقد حقق المرابطون ذلك الإنجاز الرائع بفضل تفانيهم في خدمة الإسلام ، لذا وجبت معاقبة أحفادهم .
3- يــــــــزعـــــــــم الرحالـــــــة الغربيون الذين ارتادوا الصحراء الكبرى في القرنيين الثامـــــن عشر والتاســــــع عشر – تحت حماية الطوارق – أن فرسان الطوارق المرافقين للقوافل كانوا يقومون بابتزازها رغم الأجور التي يقوم أصحاب القوافل بدفعها لسلاطين إمارات الطوارق نظير الحماية ، بل يروجون أن الضحايا من أولئك الرحالة كانوا يقتلون غدراً من حماتهم .
4- استعمرت فرنسا كثيراً من البلدان في جميع أنحاء الدنيا وأفتتن المستعمرون بالثقافة والحضارة الفرنسيتين ونهلوا منها حتى خرج منهم علماء وفلاسفة وأدباء كتبوا بالفرنسية روائع أثرت الثقافة الفرنسية ، بينما عزف الطوارق عن أي شيء يمت للفرنسيين بصلة من مدارس ومقتنيات مادية ولباس ومأكل – الخ ، وهو ما أعتبره الفرنسيون إهانة لحضارتهم التي يدعون أنها أم الحضارة المعاصرة بفضل الثورة الفرنسية التي قضت على نظام الإقطاع في أوربا ومهدت لقيام الملكيات البرلمانيــــــــة ثم الجمهوريات فيما بعــــــد ، والقوى الكبرى تتحمل منك أي شيء عدا إهانــــــة كبريائها – كما تقول لنا السياسة .
5- حين احتلت ألمانيا فرنسا في بداية الحرب العالمية الثانية هرع ( ديجول ) إلى المستعمرات الفرنسية وكون منها جيش التحرير الفرنسي الذي جمعه في فورت لامي ( أنجامينا ) وهجم به على الشمـــــال الإفريقي لتحريره من قوات المحور ، وكان ذلك الجيش يخلوا تماماً من الرجـــــال الــــزرق ، فكيف أيها الرجال الزرق لا تساهمون في تحرير عاصمتكم ( باريس ) التي قال عنها أحمد شوقي : أقول وأدمعي منهلة باريس لم يعرفك من يغزوك .
وقد كان أحمد شوقي آنذاك دارساً بباريس ويبدوا أنه مفتوناً بباريس وثقافتها .
لهذه الأسباب قرر الفرنسيون معاقبة الطوارق بتهميشهم وجعلهم في أسفل سلم شعوب المستعمرات وأول عقاب مارسوه ضدهم كان إلغاء سلطناتهم والتحريض على سلاطينهم والتعامل مع الشيوخ بدلاً منهم ، وتشجيع أتباعهم ومواليهم على الخروج عليهم وشجعوا جيرانهم على الاستخفاف بهم ، بل وإهانتهم وتوجوا سلسلة العقاب بتفتيتهم بين خمسة دول فأصبح الأب في دولة وأبناءه في دولة أخرى أو الأخ في دولة وأخوه في دولة أخرى ، كما تركوا في أرشيفهم الذي سلموه للدول المستقلة عنهم حديثاً وصايا لحكام هذه الدول توصيهم بمواصلة نهج فرنسا بتهميش الطوارق ، وقد نفذت الدول المستقلة جميعها بدون استثناء تلك الوصية بإخلاص نادر حتى أن هذه الدول مارست تهميشهم أكثر من فرنسا نفسها .
هذا واقع الطوارق الذي نتج عن الاستعمار ، أما كيفية النهوض به فهو أمر عائد للطوارق أنفسهم عملاً بالقول المأثور ( ما حك جلدك مثل ظفرك ) والأمل كبير في الحماس الذي نلحظه لدى الشباب الطارقي المتعلم للعمل بجد لطي المسافات الزمنية حتى يمكن مجتمعه الطارقي من اللحاق بإخوتهم واردي الحوض الحضاري الممتد من عمان شرقاً إلى موريتانيا غرباً ، ويتأتى ذلك بالأخذ بأسباب العلم والتقنية ومحو الأمية بين أهلهم ، والإقتداء بسنة شيخ المرابطين ( عبد الله ابن ياسين ) الذي ما إن خرّج أربعين طالباً عالماً مجاهداً من زاويته التي أقامها على الضفة الجنوبية لنهر صنهاجة ( نهر السنغال ) عند مصبه في المحيط الأطلسي ، حتى أمرهم بالخروج إلى بطون وعشائر قبيلتهم صنهاجة لتصحيح ممارستهم للإسلام التي كانوا يخلطونها بالكثير من طقوسهم الوثنية فشمر أولئك الطلبة العلماء المجاهـــــدون عن ساعد الجد وانتشروا بين عشائرهم يدعونهم لضرورة الالتزام بالإسلام الصحيــــح النقــــي من الشوائب . وبالفعل وفق الطلبة العلماء المجاهدون في تنوير صنهاجة وإلزامها بالممارسات النقية للإسلام ، ما مكنهم من تكوين دولة المرابطين العظيمـــة ، ذات الدور البارز في التاريخ العربي الإسلامي .

أريد أن أقول لكم إخوتي الطوارق هيا هلموا بنا جميعاً لنقتدي بأجدادنا المرابطين الصنهاجيين حتى نغير واقعنا من التخلف إلى التقدم ونرفد إخوتنا في الحوض الحضاري بدل أن ننتظر منهم الرفادة .

خامساً :- دورهم في إعادة توحيد ليبيا وتقويتها :-
إذا نفض الطوارق أو أمازيغ الصحراء غبار الزمن عن أنفسهم ، وتمردت نفوسهم على الإقصاء والتهميش الذي مورس عليهم عسفاً ، فإنهم سيضخون دماء جديدة لمجتمعهم الليبي ومحيطهم الذي يتشاركون معه الحوض الحضاري الممتد من عمان شرقاً إلى موريتانيا غرباً . ذلك لأنهم لا زالوا على الفطرة لا تكبلهم أغلال المدنية المادية التي تثقل على الإنسان وتبطئ من حركتــــــه في اتخاذ القــــرار والمبادرة . والطوارق بلا أدنى شك يتمتعون بجملة من الخصال الحميدة التي لو أحسنوا توظيفها لبزوا غيرهم ، مثل الفطرة والشجاعة والكرم والبساطة والجلد والقناعة .
وإن الظروف التي تمر بها بلدهم ليبيا الصغرى اليوم خاصة بعد ثورة السابع عشر من فبراير ، وليبيا الكبرى عامة ، تستحثهم على شحذ الهمم وتحفيز الخصال الحميدة لديهم ، للإبداع والتألق والتفاني في المساهمة الإيجابية الفعالة في خدمة محيطهم بوعي ثاقب . وذلك واجب عليهم ، إذا كانوا يؤمنون حقاً بأنهم مكون أولي أصيل من مكونات ليبيا الصغرى وليبيا الكبرى على السواء .
ولعمري أنكم كذلك يا معشر الطوارق دريتم أم لم تدروا ، آمنتم أم لم تؤمنوا ، أبدعتم أم لم تبدعوا .

سادساً :- خاتمة :-
أردت من هذه الورقة لفت نظر إخوتي الطوارق أو أمازيغ الصحراء إلى ضرورة الإلمام ولـــــو جزئيـــــــاً بالتاريخ ، لأنه سجل حياة الإنسان على الأرض ، منذ أن خلقه الله وجعله خليفة في الأرض ، ولأن المعرفة بالتاريخ تنور الطريق أمام الإنسان وتمكنه من معرفة أمور كثيرة لازمة له ليسير في الحياة على بصيرة من أمره فلا يضل ولا يشقى ولا يتعثر . مثله مثل المركبة التي تسير على طريق معبد بدلاً من السير على طريق وعر أو موحل ومن هذه الأمور اللازم معرفتها :-
كيف بدأ الله الخلق – ما حكمة الله في خلقه للكون واستخلاف الإنسان على الأرض – حلقات سلسلة التطور الحضاري للإنسان – نشأة اللغات وتطورها – بيئة الإنسان وأثرها عليه – محيط الإنسان الثقافي ومع من يتقاسمه من بني الإنسان – التعايش السلمي وقبول الآخر – وتلك الأيام نداولها بين الناس ... إلى آخر ذلك من الأمور التي لا تتوازن حياة الإنسان إلا بمعرفتها . ولا يتأتى ذلك إلا بالمعرفة ، والمعرفة تأتي أولاً بالقراءة ثم القراءة ثم القــــــراءة ثم بالعمل .
ومصداق ذلك أن القراءة كانت أول ما أمر به رسولنا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في أول ســـــــورة من القرآن نزلت عليه وهي سورة العلق .

وفقنا الله جميعاً وأشكركم ..

مراجع الورقة :-
1- الموسوعة العربية الميسرة – محمد شفيق غربال – دار الشعب بالقاهرة 1959 م .
2- أصول الحرف الليبي – عبد العزيز سعيد الصويعي – الدار الليبية للنشر والتوزيع 1999 م .
3- ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911 م – أتوري روسي ( تعريب خليفة التليسي ) – دار الثقافة بيروت 1974 م .
4- البربر الأمازيغ عرب عاربة – عثمان سعدي – دار الملتقى للطباعة والنشر – بيروت 1998 م .
5- شمس العرب تسطع على الغرب – المستشرقة زيغريد هونكة - دار الآفاق الجديدة بيروت 1980 م .
6- جاد الله عزوز الطلحي – لقد أسمعت – الشركة الخضراء للطباعة والنشر – طرابلس 2004 م .
7- رحلتان عبر ليبيا ، مذكرات ميجر لنج الإنجليزي – تعريب خليفة التليسي دار الفرجاني – طرابلس .

/ مهندس : م . عبد الملك الأنصارى

التسلسل الهرمي لقيادة سلطنة كل انتصر قبل الإستعمار الفرنسي

تكلم الباحث الفرنسي بول مارتي فى كتابه الأنصار أو كل انتصر..
عن موضوع الرئاسة العامة لـ كل انتصر فى معرض حديثه عن القسم الغربيِّ لبلاد الانصار أثناء سرده لتاريخ الشخصيات القيادية فى ذلك القسم فاضطرّ إلى التقديم والتأخير أثناء حديثة..مما أحدث فجوات زمنية بين بين الفترات الأربع التي لا يمكن الحديث عن هذه المسألة إلا بأخذها بعين الإعتبار..وهي فترات زمنية غير متشابهة ولكنها متقاربة تقاربا عجيبا قد يُحتِّم على من لا يعرف بينها أو يتجاهلها أن يخلط بين الأحداث التي وقعت فيها فيقدِّم ويؤخر وينسب إلى فترة مَّا أحداث فترةٍ كانت قبلها أو العكس..
الفترة الأولى:فترة ما قبل الإستعمار وهي فترةٌ لها تاريخها وأحداثها ووقائعها التي لا تشبه التي تلتها إلا فى بعض الأمور..
الفترة الثانية:فترة المقاومة والصراع والجهاد ضد المستعمرين الفرنسيين وهذه فترة أخرى لا تشبه التي قبلها ولا التي تليها..
الفترة الثالثة:فترة بداية الإنقسام؛بسبب الحدود الجغرافية الشاسعة والظروف السياسة القاسية أثناء مقاومة المستعمرين الفرنسيين..وما تلا ذلك من أهوال..
الفترة الرابعة:فترة الإستقرار السياسي النسبي والجنوح للسلم من قبل الجميع بعد انتهاء الحرب وموت المقاومة التي ماتت بموت إنقونا رحمه الله وأسكنه فسيح جناته..
وهذه الفترات كاد بول مارتي أن يجعلها واحدة لسبب ما فلم يتمكن من الفصل بينها بشكل مناسب فقدم وأخر فى ذلك وتجاهل الناحية الشرقية من بلاد الأنصار حتى وصل إلى الصفحة كاد أن يكمل ربع كتابه والسبب فى ذلك واضح أن الفرنسيين إن شغلوا بالقشم الغربيِّ من البلاد وبمسألة إخضاع إنقونا ولهذا استطرد فى هذا المجال كثير حتى إته حين اضطرَّ إلى الحديث عن شرق البلاد لم يتحدث بنفس التفاصيل عن شرق قياداتها واكتفى إلى التلميح والربط بين الشخصيات الأنصارية وغير الأنصارية للوصول سريعا إلى مبتغاه وهو الحديث عن مسألة إخضاع شرق البلاد عامة وإخضاع جميع القبائل التي تقطن هذه المنطقة وخلط فى ذلك خلطا كبيرا وتحدث عن صخصياتها جملة وتفصيلها مع التركيز على بعض الأحداث المهمة عنده..
والشاهد أن هذه الأحداث كلها تعتبر من أحداث الفترة الثانية وبداية الفترة الثالثة تقريبا والتي اعتبرت هي فترة الإنقسام المريع..
والحديث عن هذا الإنقسام ذو شجون،وقد قسّم المستعمرون بلاد الأنصار بشكلٍ متعمّد بين شرق بلادهم وغربها وقسَّموا غربها أيضا بين شمالٍ وجنوب وتمكنوا بذلك من النيل منها جميعا والسيطرة عليها نهائيا..وقد أشار بول مارتي إلى ذلك فى سياق حديثه عن شخصية اللودا الذي يريده الفرنسيون خلفا لإنقونا حتى فى حياة إنقونا بل ويريدون ذلك أثناء حياة إنقونا ويرون فيه الحاكم الأعلى المثالي للأنصار بعد إنقونا ولكن هنا لديهم عدة مشاكل..
الأولى:أن الإنقسام لم يحصل بعد حينها..
الثانية:أن إنقونا لا زال هو القائد الأعلى لقوات الأنصار المجاهدة ضد الفرنسيين ولا زال الجيش فى كامل قوته..
الثالثة:هي أنهم يريدون مساعدة من اللودا الرجل العسكري المدرب للقضاء على الجيوش المجاهدة بقيادة إنقونا..
ولكن فيما يبدو من سياق كلام بول مارتي فإن اللودا لا يريد تقديم تلك المساعدة ولكنه لا يريد أيضا أن يخسر وظيفته كعسكريٍّ متدرّب على
المدفعية فى الجيش الفرنسي..إلا أنه مستعدٌّ لقيادة معسكر السلام فى بلاد الانصار الغربية وهذا ما أشار إليه هنا بقوله:(اللّودا قد تركنا في صيف 1895م ليلتقي بإنقونّـا ، وقد أحسّ بأنّه غير محميٍّ ،والمفاجأة للعمليات البوليسيّة قد رمت إنقونّـا عند أولاد علّوش ، وأخذ اللودا وأتباعُه في سنة 1896م يبحثون عن إنقونّـا الذي كان بعيدا ،وتلاقى ـ أي اللوداـ مع رجالي على الميدان الممتدّ من "فاقبين" إلى تنبكتو ..وكان معروفا إلى ذلك التّاريخ أنّه مشرفُ القبيلة ومرشدُها ، ولكن دون الاستجابة له ، لأنّهم كانوا يأملون في إنقونّـا ، وبعد موت هذا الأخير في سنة 1898م كانت القبيلة كل انتصر والمسئول العام عنها قد انقسمت بعد الازدهار إلى قسمين مختلفين تماما:واحد في الجنوب ، وواحد في شمال تنبكتو ، صحيح أنها لا زالت تحت قيادة مشرف من نفس اختيارهم هو:إبراهيم بن حلاّيْ من وقت التفرّق لكل انتصر .)أ هـ ..
ونلاحظ هنا أن إنقونا وإبراهيم بن حلاي واللودا هم ثلاثة الأثافي الكبار المخضرمين الذين عاشوا فترة ما قبل الإستعمار وعاشوا كذلك فى الفترة الثانية أثناء مقاومة المستعمرين إلا أن الإنقسام بدأ ثلاثيا وواضحًا فى هذه الفترة وليس التي قبلها لأن هؤلاء الثلاثة الكبار اثنان جنحا للسلم وهما اللودا وبايَّ والثالث مال إلى الحرب وهذه هي بداية الكارثة الحقيقية للقبيلة(الإنقسام)وهذا بالضبط ما أراده الفرنسيون.وللعودة إلى الفترات الزمنية وما نحن بصدد الحديث عنه وهو موضوع الرئاسة العامة للقبيلة نلاحظ أن الفترة الأولى وهي فترة ماقبل الإستعمار فترة
مهمة من تاريخ الأنصار وخصوصًا فيما يتعلق بالتكاتف والتعاون،وفي هذه الفترة لا زالت القيادة موحّدة متمثلةً فى ثلاثة مراكز عليا..
الأول:مركز شيخ القبيلة أو السلطان أو أمنوكال..
الثاني:مركز القيادة العسكرية والشئون الحربية..
الثالث:مركز القيادة العلمية وشئون القضاء ونحوها..
وما ضاعت القبيلة إلا حين أصبحت هذه المراكز شاغرة بسبب الفوضى التي أحدثها الفرنسيون حيث أنهم حاولو إلغاء المركزين الأول والثاني وأوهموا الناس أن(كنتو)هو صاحب الصلاحية الأول والأخير وله الحق فى اختيار حاشيته وجنوده وبهذا تم إلغاء النظام القبلي نسبيا وبقي منه فقط ما يتعلق بإصرار مجلس شيوخ القبيلة على أن تنصيب(كنتو)يبقى من صلاحيات القبيلة ولها الحق أيضا فى عزله من منصبه إذا استدعى الأمر..وإذا ركزنا على المركز الأول سنلاحظ وبكلِّ وضوح أن هذا المركز يتولاه الإبن الأكبر والأصلح لهذا المنصب من أبناء إنفا وهذا منقول بالتواتر عن أعيان القبيلة ومعترفٌ به لدى الجميع..
وهذا ما أشار إليه بول مارتي بقوله:(استلام مقاليد الحكم يتمّ أوّلا بتعيين القائد المتولي ، وبتصويت الجماعة ، والوراثة كانت قاعدة ، لكنّها ليست الوراثة الفرديّة ، ففي العائلة الواحدة كان الحكم يُورّث للشّخص الأحقّ به ـ أي الكفء ـ بعيدا عن الأولويّات والسّن وشجرة العائلة.)أهـ .. ورغم أن بول مارتي كان يتحدث عن الفترة الثالثة هنا إلا أنه أشار إلى ذلك بكلِّ وضوح أثناء حديثه عن شخصيات تلك الفترة ففي كلامه عن اللودا وأبنائه قال:(وَنْتَـا كان يساعد ويعين أباه في الخلافة أثناء حكمه ، وخاصّة في أيّامه الأخيرة ، حينما كان اللُّودَا ضعيفا جدّا ، وعند وفاة والده كان مرشّحا لخلافته ، لكن ولسوء الحظّ ، ورغم دفاعه عن هذا المنصب تمّ تنصيب الطّاهر من طرف مجلس شيوخ القبيلة الذي كان يسمى"الجماعة"، وبعد ذلك انسحب بروح رياضيّة ، وعاش في وسط عشيرته هادئا بعيدا عن كل الاضطرابات.)أهـ..
والشاهد من هذا أن هناك ما يسمَّى(مجلس شيوخ القبيلة)حتى بعد دخول الفرنسيين وهم يعترفون بهذا المجلس ولا زالت القوانين الأصلية للقبيلة موجودة حتى ذلك الوقت وأن(مجلس الشيوخ)هو الذي ينصِّب القائد العام لتلك المهمة وليس الفرنسيين..كما هو واضح من سياق الكلام..وللعودة إلى بداية الفترة الألى نلاحظ أيضا أن إبراهيم بن حلاي هو الأكبر فى تلك الفترة وهو كما هو معروف رجل عالم وتقي وورع وزاهد ويرون فيه الأخ الكبير والمستشار الحكيم فى نفس الوقت..وإلى هذا أشار بول مارتي فى معرض حديثه عن شرق بلاد الانصار قائلا:(حلاّيْ هو كبيرُ السّلالة الحاليّة لكل انتصر الشّرقيّين..حَلاَّيْ بن عثمان بن الحاج بَلاَّ بن محمد قطب بن(إنفا)، توفي في منتصف القرن التّاسع عشر، تاركا وراءه أبناء كثيرين حسب التقدير خمسة عشر، وهم الآن مع كل انتصر الشرقيّين ، اصطحبه أحدُ أبناء(إبراهيم)في سنة 1854م إلى شرق زرهو، وإلى "كونْتَا،وقد رحّب به المستقبلون وهنّؤوه..ابنه الكبير:إبراهيم بن حَلاّيْ كان الشّخصيّة الوحيدة المسيطرة من بين كل انتصر الذين يقولون"أَنْعَـمْ"بشرق تنبكتو..عندما احتلّت فرنسا المدينة،ولد إبراهيم سنة 1810م كان يحتكم
فيهم لكبر سنّه ورصانته،وخلقه المتديّن..ترأّس"كَلْ تَجَانْتْ:وهي من مسمّيات التقسيم الإداري لهذه المنطقة.)أهـ..وطبعًا نلاحظ هنا أنه يريد التحدث عن الفترة الأولى والثانية فى نفس الوقت والسبب فى ذلك أنه أخّر الحديث عن بلاد الأنصار الشرقية حتى دخل فى تفاصيل الفترة الثالثة..
ومن المهم جدًّا أن نشير هنا إلى أنَّ بايَّ عاش الفترات كلّها الأولى والثانية والثالثة والرابعة أيضا بينما عاش إنقونا ثلاث فترات فقط ولهذا نلاحظ أنه مارس جميع الأدوار تقريبا حتى إن الفرسيين بعد أن قضوا على إنقونا إعتبروا اللودا هو الحاكم الأعلى لجميع بلاد الأنصار تقريبا واعتبروا أن بايّ كان ممثلا له فى شرق بلاد الأنصار بينما الحقيقة أنه يتكلم عن بداية فترة الإنقسام ويتجاهل ذلك بكل سهولة ولهذا قال:(لقد كان إبراهيم أهمّ شخص سامٍ ، ولهذا السّبب اختاره رئيس القبيلة اللّودا ممثّلا له في مهمّة رسميّة خلال البعثة التي كلّفه بها ، كان ذلك عامي 1895 و1903م.ومع الوقت تسير كلتا المجموعتين للإنقسام والاستقلال الذاتي ، فأصبح بذلك إبراهيم الرئيس المباشر لكل انتصر بالشّرق .)أهـ ومع أنه لم يذكر نوع هذه المهمة إلا أنها قد يفهم منها التكليف وهو من صلاحيات الحاكم العام تقريبا..ولكن قوله مهمة يدل على أهميتها وقانون القبيلة العام يقضي عرفا بأن المهام المُهمَّةَ يرسل لها الأصلح بغض النظر عن مركزه الإجتماعي..
وبالعودة إلى الحديث عن المركز الأول نلاحظ كما هو معلوم لدى الجميع أنه من أعرق عادات هذه القبيلة من الأنصار التي حافظوا عليها خلال تاريخهم الطويل وصراعهم المرير ولا زالو يفعلون أنّ مثل تلك الشخصية لا يتحركُ شيءٌ داخل القبيلة إلا بمباركة منه وقد بقيت هذه العادة إلى يومنا هذا لدرجة أنهم إذا توفيت شخصية كهذه يبقى مركزُه شاغرًا حتى يكبر الأصلحُ لها من أبنائه أو أحفاده فإن انقرضت ذريته فسيبقى المركز شاغرا حتى يُهيىِّءَ الله من يتطوَّع له أو يبقى شاغرا إلى حين..
وقد تسببت هذه العادة العرفية القبلية بتعطيل مهام اجتماعية كثيرة فى عصرنا الجديد بعد أن تميَّعت قوانين القبيلة داخل قوانين الدولة مع أن الكثير من القبائل داخل الدول قد استطاعت الحفاظ على قوانينها العرفية ولكن مع تطويرها بما يتماشى مع القانون العام للدول إذ لا تناقض بينهما أصلا..فالنظام القبليُّ المتطوِّر يُفترضُ به حمايةُ المجتمع القبليِّ والحفاظ على وحدته وسيادته وأمنه الداخلي..أما نظام الدولة العام فهو لعامة الشعب يعدل بينهم فى الثواب والعقاب ويحمي كافة أبناء الشعب على حد سواء..الشاهد أن داءَ الفُرقة قد استشرى داخل الأسرة فى نهاية الفترة الألى وتشتتْ اهواءُ الناس بين(الضُّمَّان"و"كنتوتن"و"كومسيتن"فلم يعد ولاؤُهم مضمونا لأحدٍ بعد ذلك إلا فى حدود ضيقة يحكمُها ما تبقَّى من قوانين القبيلة بصرامة للحاجة الماسة إليها لأن زوالها يعني زوال القبيلة مثل الخروج عن مجلس الأسرة أو مجلس شيوخ القبيلة كما يسمى قديما..وهذا ما أسميه اليوم بالأخطاء الإدارية التي بدأ ييبس بسببها هذا الغصنُ الرطيب بعد اخضرارٍ دام قرُونا من الزمن..
والآن وبعد أن تأكد لدينا ذلك بقي لنا أن نشير إلى مراسم تنصيب مجلس القبيلة فى الفترة الأولى للقائد العسكري الأعلى وهو أمرٌ معروف أيضا ومتواتر لدى أعيان القبيلة وهو أن المجلس هو الذي يجتمع وينعقد برئاسة شيخ القبيلة أو سلطان السلطنة الأعلى وهناك يتم تنصيب هذا القائد الذي يُعتبر الأهم لأنه هو الذي يتولى الدفاع عن حماها وعِرضها ومقدساتها وكان شعار القائد هو الطبل..وقد أشار بول مارتي إلى ذلك..بقوله:(ويبقى {إِنْقُونّـا}القائد الوحيد لكل انتصر حتّى موته سنة(1898م)ومعه سوف ندخل فترة جديدة ، لذلك نُبْقِي الوقفة الخاصّة بـه إلى الجزء التّالي..)إلى أن قال:(يُخيّل إليك حدوثُ بعض الخروج من العادات المحليّة التي طالما احترمتها القيادات في القبيلة ، لقد كانت هناك بالطّبع بعضُ الصِّراعات ، ولكن لا وجود لتلك الاغتيالات المتبادلة بين الأشقّاء وأبناء العمّ للاستيلاء على السّلطة.وكان شعارُ الحكم:طبلٌ كبير، والقائد هو الوحيد الذي يحقّ له أن يقرعَ عليه ، وعند موت القائد فعلى ابنه أن يحمل هذا الطّبل إلى القائد المنتخب .إنْقُونَّـا كان له طبلٌ مميّز ، لأنّ الذي ورثه كانت حالته سيّئة ، وحلاًّ للإشكال قرّر أن يستوليَ على واحد من عند "كونتا"أعداءه ، وفي إحدى المرّات وبينما كان يمشي بجانب إحدى مخيَّماتهم والتي كان يوجد فيها طبل من الطّراز الأوّل استولى عليه،ولكنّ ابنه محمد بن إنقـونّا هشّمه سنة
1898م عند وفاة والده،لكيلا يسلّمه للذي سيخلف والده.)أهـ..
وهو يكذب هنا فيما يتعلق بالتخلص من الطبل وحسب أعيان القبيلة لمّا استولى الفرنسيُّون على هذا الطبل تخلصُوا منه بطريقتهم الخاصة..
وأخيرا بقي لنا أن نشير هنا إلى أنَّ إينقونا تم تنصيبه لمنصب كبيرٍ وهو ما يشبه وزير الدفاع اليوم وأصبح بذلك قائدا أعلى لجيوش الأنصار حيننها وتمت مراسم التنصيب فى مجلس شيوخ القبيلة بقيادة عمِّه إبراهيم بن حلاي وعمه الآخر أمَّامَّا كما تقضى العادة بذلك أن هذا المجلس ينعقدُ بكامل أعضائه الذين يعتبرُ شيخُ القبيلة من أهمِّ أعضائه ولا مانع من أن يكون هناك عدة شيوخ كبار لهم حق التصويت وحق حسم الخلافات وذلك بعد كثرة بطون القبيلة وأفخاذها..
وهذا ما يبدوا واضحا من السياق هنا فقد أشار بول مارتي إلى أنَّ إنقونا تمَّ تعيينه شيخًا للقبيلة فى تلك الفترة وليس قائدا عسكريا وأن الذي أشرف على مراسم التنصيب هو عمُّه أمَّامَّا فقال:(وعيّن شيخا للقبيلة عن طريق عمِّه أ مّامّا في السّنة نفسها التي وُلد فيها ابنه محمد بن
إنقونّـا أى سنة 1865م .)أهـ..
وحسب رواية من أدركناهم من أعيان كبار أبناء إنفا الصحيحُ أن إنقونا عُيِّن فى بداية الأمر قائدا عامًّا للجيوش وذلك فى أواخر انتهاء الفترة الأولى..ولكنه رجل الموقف ورجل العصر الذي هيَّأهُ الله لتلك الفترة المشرّفة من تاريخ الأنصار فتولى مهمة شيخ القبيلة ومهمة قيادة الجيوش وهذا ما أدركه عليه الفرنسيون..وذلك طبعا فى بداية الفترة الثانية وهي فترة الإنقسام كما قدمنا..
ومن الطريف الذي يُحكى بالتواتر فى هذا المجال أن إنقونا كان هناك من ينافسُه فى الترشح لهذا المنصب ولكن حين قُرعَ الطبل فى مراسم التعيين وأثناء الإستفتاء الأخير قال بايَّ لمجلس الشيوخ ألا تسمعون لما يقوله الطبل قالوا وماذا يقول:قا إنه يقول:إنقونا إنقونا..فنزلوا عند رأيه احتراما لمكانته فيهم..وتوجد رواية أخرى مشابهة أثناء تنصيب دوَّادوَّا القائد العظيم والفارس المغوار الذي ضرب أروع الأمثلة فى زمانه كخلفه إنقونا فى ذلك العصر الذهبي لسلطنة أو اتحادية كل انتصر الشامخة..
أما ما يتعلق بالمغرب من هذا الموضوع فهو تاريخ شفويٌّ أرويه بسندٍ متصلٍ إلى القاضي محمد المختار بن حود الأنصاري ولديّ بعض التحفظ عليه حتى أتثبت وأتأكَّد..
ومن الجدير بالإشارة هنا أيضا إلى أن بعض ما يتعلق بتلك الأحداث المهمة من تاريخ أبناء إنفا سرده عليَّ أحدُ أعيان القبيلة فى بلاد مالي مقروءًا من سفرٍ فرنسيٍّ ضخمٍ يتجاوز 700 صفحة وهو مرجع نفيس فى هذا الباب ولكنه رفض حتى أن أستعيره لتصويره بحجة أنه ليس ملكا له وإنما استعاره فقط ولعله كتاب غال جدا وأتمنى أن نتعاون لشرائه وترجمته..
والفضل فى اكتشاف الكنز الثمين يعود إلى أخي عبد القادر عبد الله الأنصاري الذي زوّدني بعنوانه قبل عدة سنوات ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث عنه وهو يباع على الإنترنيت ولكنني عجزتُ أيضا عن معرفة كيفية ذلك إلا أنني لن أستسلم حتى أحصل عليه إن شاء الله فبعض ما أتذكره مما قُريء عليّ من المعلومات الموجودة فيه هو ما جمعته هنا ببعض ما ورد فى كتاب بول مارتي وألفت بينه.. والله أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تقبلوا تحياتي وشكرا.