إنّ المتأملَ لحالِ الأمةِ الإسلاميَّةِ اليوم لا يسعُهُ تجاهُلُ ظاهرةِ التيه هذه أبدًا؛فقد نشأ هذا الجيلُ بين حضارتين متصارعتين"حضارةٌ إسلاميةٌ عريقةٌ كانت أيَّام ازدِهارِها وتفوُّقِها تحملُ بين ذراعيها أبناءَ الحضَاراتِ المنهارة أمام عظمةِ الإسلام،وتحمِيهم وتُوفِّرُ لهم الرِّعايةَ الكاملةَ والأمان التام؛لأنَّها تحملُ رسالةَ عدلٍ ورحمةٍ إلى الناس كافة. وحضارةٌ غربيةٌ حديثةٌ تفجَّر بُركانُها فى الثورةِ العلمية الحديثةِ فجيَّشت جُيُوشها لإزالةِ الإسلامِ من الوجود!.
وقد تساءَل بعضُ المسلمين عن سبب هذا النوعِ من العداء؛فوجدُوا أنَّ مبدأَ الحضارةِ الغربيَّةِ الذي قامت عليه أوَّل مرةٍ هُو البراءةُ من كُلِّ ملَّةٍ ودِين؛لأنها عندما أحسَّت بفتوُّتِها ونموِّ عضلاتِها حاولت الكنيسةُ المتغطرسَةُ كبحَ جِماحِها[ووقفت فى وجه التَّقدُّم العلميِّ،حفاظًا على مركزِها المهمِّ الذي تحتلُّه منذ القرون الأولي.وحكم القسِّيسُون على العلم جُملةً وتفصيلا،وحاربُوا العلماءَ وصادرُوا العلم؛فلما ضعُف أمرُ الكنيسة فى الثورةِ العلمية الحديثة أعلنت الحضارةُ الفتيّةُ بقيادَة علمائِها استغناءَها عن الدِّين تمامًا؛وذالك لتتخلصَ من غطرسَةِ الكنيسة .]وحدث ما حدث.
وتقدَّمت الحضارةُ الغربيةُ الدنيويةُ على حساب دينها الذي تُحرِّفُه الكنيسةُ حسَب هواها كما تشاء؛ولهذا فإنَّ الغربيين كانوا يعتقدُون أنّه ليست هناك حضارةٌ يمكنُها التقدُّمُ إلا إذا قضت على الدِّين أوَّلاً؛وهذا الاعتقادُ ظلَّ سائدًا حتى عصرنا هذا.إلا أن المراكِزَ الإسلاميّةَ فى الغرب وهيئةَ الإعجازِ العلميِّ وكبارَ الدُّعاةِ استطاعُوا عن طريقِ الحوار أن يلفتُوا أنظارَ كثيرٍ من عُلماءِ الغربِ ومفكِّريه ومثقفيه إلى أنَّ دِين الإسلام لا ينطبقُ عليه هذا المفهوم أبدًا ؛لأنَّ الحقائقَ العلميةَ المكتشفةَ حديثًا بوسائلَ متقدمةٍ،وأبحاثٍ متواصِلةٍ،وجُهُودٍ مكثفة،وإنفاقِ الملايين بعد الملايين؛كلَّها حقائق مذكورة فى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قبل خمسة عشر قرنًا من الزمان؛وكلها حقائق وعدَ الله بكشفها للناس فى قوله سبحانه:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ. }فلماذا إذًا تستغني حضارةٌ متقدمةٌ يقودُها العلمُ عن دينٍ سماويٍّ فيه خبرُ ما كان وخبرُ ما سيكونُ إلى يوم الدين،ولماذا لا يُقبِلُ على الإسلام رِجالٌ أذكياءُ كعلماءِ الغرب ليكتشفُوا الحقيقةَ بأنفسهم؟.وبالمناسبة:إنَّ هيئةَ الإعجاز العلميِّ حاورت كثيرًا من علماءِ الغربِ حوارًا علميًّا هادئًا كلٌّ فى مجاله الذي برع فيه..وقد كانت نتائجُ تلك الحوارات دائمًا إيجابيةً% ؛لأنّ العلماءَ ليسُوا كالجُهّالِ أبدًا"{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ }"طبعًا لا يستوون. فالعلماءُ لا يتردَّدُ أحدُهُم فى قبولِ الحقِّ إذا عرفه؛أمَّا الذين لا يعلمُون فمن أين سيعرفُ أحدُهُم الحقَّ حتَّى يقبله؟ ولقد حكمَ على الإسلام بإنصافٍ كثيرٌ من علماءِ الغربِ ومفكِّريه المنصفين بعد ذلك.وأتذكَّرُ أنَّ أحدَ العلماءِ سُئل أمامَ العالَم فى نهايةِ حِوارٍ طويلٍ عن رأيه فى الإسلام؛فقال معبِّراً عن رأيه:[ أعتقدُ إنه بإمكانِ الدِّين الإسلاميِّ أن يقودَ العلمَ قيادةً ناجحة.]وأعلنَ كثيرٌ من عُلماء العلم الحديثِ فى كثيرٍ من دُولِ العالم إسلامَه بناءًا على قناعتِه التَّامة بأنَّ كتابًا يحتوي على حقائقَ علميةٍ كالتي يحتوي عليها القرآنُ لا يمكن أبدًا أن يكُون إلا وحيًا من عندِ الله؛واتفَق المنصفُون منهم على أنَّ ما ذُكر فى القرآنِ الكريم وسُنةِ رسُولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم من حقائقَ علميةٍ ثابتةٍ لا يمكنُ لرجُلٍ عاشَ فى زمن محمدٍ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن يعرفَ عنها شيئًا إلا بوحيٍ من الله تعالي. والشَّاهد:أنَّ أبناءَ الحضارةَ الغربيةِ لم يَحْلُمُوا بالتقدُّمِ الذي ألهي عن الإسلامِ جُلَّ بنيه إلا بعد انهزامِ كنيستِهم أمام علمائهِم؛ولهذا فإنَّ دِينَهم المنحرفَ سيبقي منحرفًا متخلفًا ينأى بهم عن المنهج الربانيِّ إلى يوم الدّين؛فحضارتُهم لا تساوي شيئًا عند الله{إنَّ الدِّين عند الله الإسلام. }
وقد وجد{أصحابُ الأعرافِ}أنفسَهم فجأةً بين هاتين الحضارتين"عن اليمينِ دينُ الإسلام القويِّ الذي يزدادُ قوةً إلى قوته كلَّ يومٍ "وإن كانت حضارتُه غيرُ متفوقةٍ ماديًّا فى عصرِنا هذا"وعن الشِّمال حضارةُ الغرب المادية الفاسدةِ" التي شاخت ورُدَّت{إلى أرذل العمُرِ}وبدأت تنهارُ شيئًا فشيئا بسبب داءِ الانحرافِ المنتشرِ فى جسمِها من ذوائبِ رأسها إلى أخمُصِ قدميها!.ممَّا جعل أبناءَ مجتمَعِها العليلِ صرعَى فى مواردِها المادية؛مابين هالكٍ غارقٍ،ومتهورٍ تائهٍ،ومُبحرٍ فى سيلٍ عرِم!. وفى رأيِ علماءِ المسلمين ومفكِّريهم:لم يكُن أبناءُ الغربِ الحاقدين ليتجرّعُوا غُصَصًا كهذه وحدهُم فى عالمٍ يعُجُّ بالحمقى والمغفلين!.ولهذا قرَّر كبارُ المفكِّرين الغربيِّين تصديرَ حضارتِهم للعالَم الإسلاميِّ بشرُوطِ قاسيةٍ منها أولا:أن يُبني التّعاونُ الثقافيُّ الحضاريُّ الدوليُّ على أساسٍ متينٍ من التَّطبيع،وأن يفتَح المسلمُون أسواقَهُم لاستقبال جميع الصَّادراتِ الغربية بلا استثناء؛فلا يقُولون{هذا حلالٌ وهذا حرام!}.
ففي العالم الثالث من المثقفين من يبيعُ أملاكَه كُلَّها بجُرعةٍ واحدةٍ من حضارتنا المتقدِّمة،فلماذا يُحرَمُ إذًا من حقِّه فى وُرودِ مواردِ حضارة الغرب المتدفقة؟؟.وفى الدول النامية من الأُسَر الفقيرةِ من يُرحِّبُ بكلِّ ما هُو غربيٌّ مقابل ما يسُدُّ به رمقه!!.فلماذا يُحرَمُ هُو الآخر من حقِّه فى دُخول سُوق العمل المشترك!؟ولماذا يحرمُ الغربُ من حقِّه فى بيع مُخلَّفاتِه التي تحتاجُ إلى سُوقٍ تروَّجُ فيه.!؟ وهكذا ابتكرتْ الحضارةُ الغربيةُ أُسلوبًا جديدًا وبدأتْ مرحلةً جديدةً من مراحلِ الاستعمارِ بعد أن أحسَّتْ أنّها امتلكت من القوةِ المادّيةِ ما لم تكن تمتلكُه فى جميع العصُورِ الماضية التي حاولت فيها تدميرَ الحضارةِ الإسلامية.ولهذا انطلقت هذه الانطلاقةَ العمياءَ بكلِّ تهوُّرٍ كما ترون!!.
فقد بدأت تَجتاحُ العالم الإسلاميَّ مستخدمةً جميعَ الأسالِيبِ الاستعماريةِ المعرُوفة وغير المعروفة..فقد استخدمت السِّلاحَ العسكريَّ،والاختراقََ الإعلاميَّ،والنفوذَ السّياسيَّ،والحصارَ الاقتصاديَّ،والغزوَ الثقافـيَّ وغيرَ ذلك.. وتحاولُ جاهدةً أن لا يكثُرَ الناجُون!ولهذا قلَّ أن يسلمَ منها أحدٌ اليوم!؛فالمسلمُ الضَّعيفُ الذي أغلقَ بابَه على نفسِه تحرُّزًا من الوباءِ وفِرارًا من الفتنةِ تسْعى لاستدراجِه لتُجَرِّدَه من{لباسِ التقوى}فإن لم تنجح تهدُّ عليه كُوخَه عمدًا؛ليُنتَشَلَ تَحتَ الأنقاضِ صَريعًا يحتضِنُ أفراخَه؛لأنَّ هلاكَ أمثاله ليس بخسارة؛وهلاكَ أُسرتِه سُيَقلِّصُ عددَ أيتامِ الحضارة!.أمَّا الجاهلُ الأحمقُ الذي لا علم له ولا عقلَ ولا هدف؛ولا يهتمُّ إلا بما بين لحييه ومابين رجليه؛فهو تسُوسهُ بمبدأ"سمِّن كلبك يتبعك!. تعوِّدُه لعْقَ أدرانِها"وتدرِّبهُ على الإقعَاءِ أمامَها،وتكلِّفُه بمطاردةِ ونباحِ أعدائها!فيبدأُ بإمامِه ووليِّ أمرِه،ويُضحِّي بوطِنه وكرامتِه،ويُضيِّعُ من يعولُ؛ويُمسِي عاصيًا لأميرهِ ووالديه" فارًّا من العدالة"غاشًّا لنفسِه التي بين جنبيه؛لأنه لم يعرف ما أوجبه الله عليه!.أمّا المسلمُ القويُّ الذي يرفُضُ الاستسلامَ والانقيادَ لغيرِ خالقه،ويرفضُ أن يُرفرِفَ فوقَ هامتِه لواءٌ لم يعقدهُ أئمةُ المسلمين؛فهو رجعيٌّ متمرِّدٌ على الحضارةِ والإنسانيةِ جمعاء؛ فعليها مطاردتُه للتَّخلُّصِ منه"ضمانًا لنجاحِ مسيرةِ الحضارةِ؛وضمانًا لوصُولها إلى كلِّ مكان. ولهذا تلاحظُون أنَّ سُمُومَ الحضارةِ الغربيَّةِ إنما هِيَ فى الحقيقةِ سِلاحٌ فتَّاكٌ وُضِع فى السُّوق السَّوداء خِصِّيصًا لغرضٍ واحدٍ هُو تشويهُ الحقائقِ وطمسُ معالمِ الدّين؛لتنشأ أجيالُ المسلمين فى مشارقِ الأرضِ ومغاربها بلا دينٍ يدينُون الله به؛ولا هدفٍ نبيلٍ يسعون لتحقيقه؛ولا وطنٍ واحدٍ يجمعُ شتاتهم!.ويصبحُ الوطنُ الإسلاميُّ الفسيحُ بلا شعبٍ يحميه؛ولو كان كظيظًا بالزِّحام!.فالدَّجاجةُ التي ترعَي بيضَها وتحُفُّه بجناحيها أشجَعُ مئةَ مرةٍ من شابٍّ لا يعرفُ عن دينه ووطنِه وتاريخِ أمجادِه إلا ما يُمليه عليه أعداءُ الدِّين عبر وسائلِ الفسادِ المختلفة!!. أتريدون أيُّها العقلاءُ من جَاهلٍ يظنُّ نفسَه غير مكلَّفٍ أن يتشرَّفَ بالدِّفاعِ عن وطنٍ أو لغةٍ أو دينٍ يرَى حسَبَ ثقافةِ عصرِه أنَّ جميعَ الضَّحايا فى كلِّ مكانٍ من عالمه إنما هُم من ذلك الصِّنف الذي يدافعُ عن الإسلام ومبادئه وقيمه!؟.أيُعقلُ أيُّها الحُكماءُ أن تقْوي على المقاومةِ والمواجهَةِ أُمَّةٌ مُمَزقةٌ مقسَّمةٌ إلى شيعٍ وأحزابٍ يَأكُلُ بَعضُها حقَّ بعضٍ؟. هل يُعقلُ أيُّها العلماءُ أن تنتصِرَ على الأعداءِ أمةٌ لم تعْتَن بشبابِها كما ينبغي،فتربِّيهم وتُحسِنَ تربيتَهم،وتؤدِّبَهم وتُحسِن تأديبَهم،وتُعلِّمَهم وتحسنَ تعليمهم،وتُدرِّبهم وتحسنَ تدرِيبَهم،وتوزِّعَ بينهم المهامَّ بعدلٍ وإنصاف؟؟.
إخوتي:من أغرب ما سمعتُ من شبابنا،أنَّ أحَدَهُم قال لي يومًا بعد أن عجزَ عن دفعِ غرامةٍ مالية:والله لأن تلدني أمِّي فى[تكساس]أحبُّ إليَّ من أتلدَني فى جوف الكعبة!.فسألتُه متعجبًا لماذا يا أخي!؟.فأجابني قَائلاً:لأنني أري فأرةً تحمِلُ جوازًا أوروبّيًا تفعلُ وتقولُ فى عرينِ الأسدِ ما تشاء!لأنّها إذا قالت:[وا آمريكاه.]تهبُّ لنجدتِها ثلاثٌ وخمسُون ولايةً ومعَها المجتمعُ الدّولي!.وأرى دمَ المسلم يُراقُ على الأرضِ كلَّ ثانيةٍ؛فلا أرى عنزًا يناطحُ عنزًا!. ورأيتُ فُلانَ بن فلانٍ أُعطيَ الجنسيةَ الأمريكيةَ لأنه ولد فى طائرةٍ كانت تُحلِّقُ فى الأجواءِ الأمريكية!.أما أنا المسلم بن المسلم فكما تري!.أدفعُ للمسلمين ما يدفعُهُ اليهودُ والنصارى للخلفاءِ الراشدين!.فقلتُ له:يا أخي هوِّن عليك،إنَّ دوامَ الحال من المُحال؛وإنَّ مع العسرِ يُسرًا.فقال:دعني من هذا الكلام إنني أعني ما أقول؛أنا لستُ مغفَّلاً إلى أن قال:كُلُّ الحضاراتِ تقدمت إلا حضارةُ المسلمين!.وتساءلَ ساخرًا:ما بالُ المنغلقين فى عصرِ العولمة والعلمنةِ والانفتاحِ،لا يلتحقُون بموكبِ الحضارةِ الميمُون؟!.فقلتُ له:يا أخي لا تخدَع نفسَك بنفسِك،ولا تُغمض عينيك لتنظرَ بعيُون الآخرين،ولا تبع عقلك رخيصاً لغيرِك؛إنَّ المجتمع الأورُوبيَّ ينتحِرُ شبابُه بالآلاف يوميًّا بسبب المعانات؛فهل تظنُّ نفسَك ناجيًا من قدَرِك المحتُوم إن وُلدتَّ بين الكفارِ وحملتَ جنسيتهم!؟.فتبسم وقال: هذه عادتُكم[يا مسلمين]"تحتجُّون دائمًا بالقضاء والقدر!."فتعجبتُ كثيرًا وطأطأتُ رأسِي مُندَهِشًا وفكَّرتُ طويلاً وتمنّيتُ لو يستطيعُ المجتمعُ المسلمُ أكثرَ ممّا يستطيعُ،وحزنتُ على مجتمعٍ يحملُ مُثقفُوهُ مثل هذه الأفكار.
فلا تعجبُوا أيُّها العقلاءُ إذا انقسمَ الناسُ فى هوَي الغرب إلى فئتين:الأولي:فئةُ العلماءِ العامِلين وطُلابِ العلم الأذكياءِ ومن نهجَ نهجَهم من المسلمين.وهُم قومٌ عُقلاءُ أتقياءُ يعرفُون بين الحلالِ والحرام والحقِّ والباطل؛هدفُهم الأولُ هو المحافظةُ على دينهم وتاريخِهم وثقافتِهم الإسلاميةِ مهما كان الثمن.الثانية:فئةٌ[متأغربَةٌ]تزعمُ أنها متحضِّرةٌ ومُثقَّفةٌ وواعية،كُنَّا نأمُلُ أنهم سُيدافعُون دومًا عن دينهم وحضَارتِهم وثقافتِهم بالنفسِ والنفيس!.ولكن {يَا أسَفَى}على طاقاتِ هؤلاء؛فهذه الفئةُ هي التي باع[مادّيُّوها]للغربِ دِينهم رخيصًا{وشروهُ بثَمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودةٍ وكانُوا فيه من الزاهدين}.وممَّا زادهُم تمرُّغًا فى الأوحالِ أنَّهم اليوم يسمعونَ الغربَ يُصفِّقُ لهم بحرارةٍ ويُمنِّيهم أحْلى الأماني؛لأنَّ عقُولَهم{تلقفُ ما يأفكُون}فكلُّ ما يُبَثُّه الغربُ اليوم من فكرٍ مسمُومٍ عبرَ وسائلِ الفسَاد المختلفة،لا يشَجِّعُ[المتأغربين ألئك]إلا على الزّحفِ خلفَ جراثيمِه السَّامةِ الحاملةِ للوباءِ الفتَّاك،واتِّباعِها فى مسالكِها الملتويةِ،وتقليدِها فى الميُوعةِ والتهوُّر وسرعةِ التَّخلُّصِ من المبادئِ والقيم؛للوقوعِ فى مستنقعاتِ الرذيلة!. ولهذا تجدُهُم منخرطين فى عدَّةِ مجالاتٍ حسَبَ ميُولهم،ويحمِلُ كُلُّ واحدٍ منهُم لواءَ الفئةِ التي نالت إعجابَه بكلِّ فخرٍ واعتزاز؛فطاووسُهم مثلاً يُقلِّدُ[مايكل]فى قصَّاتِه؛ويظلُّ أكثرَ الأوقاتِ خاشِعًا متصدِّعًا أمامَ سحْبَاتِه ورقصَاته!. وجَانُّهم يهتزُّ لسَماعِ نعيقِ كُلِّ غراب!.وببغاؤُهُم يردِّدُ مبتهجًا كلامَ كلِّ كذاب!.ويتلهَّى بالرياضة مَرِحُهُم الطائشُ متناسيًا واجباتِه!.ويتناولُ جُرْذهُم كلَّ مُحرَّمٍ إشباعًا لغرائزِه ونزواته!.ويرفعُ صُعلوكُهُم سِلاحَه فى وجه إمامِه ووليِّ أمره!"تلبيةً لنداءِ العالَمِ الحُرِّ الذي سيفكُّه من أسْره!"ويُضحِّي بقيَمه كُلِّها نضَالاً من أجلِ الدِّيمقراطيةِ وما تمليه،متجَاهلاً كلام ربِّه الذي يطعمُه ويسقيه!.ويملأ أديبُهم المتشاعرُ[آنيةَ السُّوقِ]قيحًا وصديدًا ليُمرِضَ قُلوبَ المتعفِّفين من أمته،محمِّلاً زوابِعَ حُريةِ التعبيرِ المزعُومةِ أصداءَ كلمته!.ويُطلقُ كاتبُهُم الحرُّ"الآبقُ من دينِه"عنانَ فكرِهِ فى فلواتِ القراطيس،ويسهرُ ليله فى التَّلفيقِ وتحريفِ النواميس!"يقيِّدُ بسَلاسلِ فكْره كُلَّ حُرٍّ،ويودِعُ قُضبانَه كُلَّ يومٍ ألف أسير!"يُهدرُ فى ذلك عمرَه القصير"وهُو لا يعرفُ إلى أين يسير!.وهذا وأمثالُه أعلنُوا الحربَ على الإسلام جهرًا وأصبحوا يقولون للطفل المسلم:تحرَّر{وأعرض عن الجاهلين}وكن نجمًا فى سمائنا بين المبدعين. العب مع اللاعبين،واحترف مع المحترفين..غنِّ مع المغنين؛ومثل مع الممثلين،تكن من المشهُورين.ويقولُون لنساءِ المسلمين:نحنُ نحرِّركنَّ من قيُودِ الدِّين!"ونحميكنَّ من هؤلاء المتشددين!".وذالك لاسترقاقهنَّ للحضارةِ الغربيةِ التي تبيعُهنَّ فى سُوقِ النَّخّاسِين!.ولهذا يُدْخِلُون رُؤوسَهُم عبر النوافذ"يمزِّقُون أعراضَهُم بالنواجذ"ينهشُونها "بكرةً وعشيًّا"ويحسَبونها"لحمًا طريًّا".فيقولون بكل وقاحة:إنّ المرأةَ المسلمةَ قابعةٌ بين أربعة جُدران؛محرومةٌ من حقوقِ الإنسان!.إنها سجينةُ زوجها"وخادمةُ أطفالها!.لا تخرجُ إلا مع محرمٍ يراقبُها"ولا تلبسُ إلا غليظًا يزعجُها!.المرأة المسلمة عالةٌ على المجتمع"فهي ليس لها أيُّ إنتاج!.لأنها مجرّدُ وعاءٍ للولد؛ومصرفُ شهوةِ الرجل!.أمَّا المرأةُ الغربيةُ فهي حرةٌ لا تردُّ يَدَ لامس!.تدخلُ وتخرجُ كالهواء"ولها الحريةُ فيما تشاء!.تُغنِّي وترقُصُ وتفرح"وتقفُ على خشبة المسرح!.تَبيعُ وتَشتَري؛وتهَبُ نفسَها وتَكتَري"تعرِضُ الأزياءَ،وتمشِي بخُيلاء وتتلوَّنُ كالحرباء!.تُساعدُ أهلها"وتأكلُ من عمل يدها!.هكذا يصفُون المرأةَ الحُرَّة؛والتي تحولُها الحريةُ إلى جَرَّة!. ولكنهم غشُّوا أنفسَهم وتَركُوا صفاتٍ أخرى لم تُذكرُ مع هذه. منها:أنها تَتَّخذُ أخدانا؛وتُحرَمُ من الحلال أحيانا!. وأنها تحملُ سفاحًا؛فتنقلبُ أفراحُها أتراحًا!وأنَّها إذا عجزت عن العمل؛فلن يكُون لها فى الحياة أيُّ أمل!.لن يُطعمَها والدٌ ولا ولد؛ولن يرحمَها منهم أحدٌ!.وأنَّها طُعْمٌ فى مصيدةِ الرّعاع"وإلا فهيَ من سقطِ المتاع!.جمالُها تمتدُّ إليه الأعناق؛وعِرضُها يُباعُ فى الأسواق..إخوتُها ليس لها عندهم حقُوق،وأبناؤُها ليس لها عندهم إلا العقُوق..الخ. ولخلاصة:أنَّ الأمّةَ الإسلاميةَ اليوم تُقاتلُ على جبهتين،جبهةٌ داخليةٌ مدعُومةٌ من الغرب للقضاءِ على الإسلام من الداخل،وأخرى خارجيةٌ تُحاصرُه من جميع النواحي وتتحيَّنُ الفُرَصَ للقضاءِ عليه؛فعلى الأمةِ توحيدُ صُفُوفِها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق