صحراء أزواد صراع من أجل البقاء(بئر تجوغ)

حين دخل جدُّنا محمد(انفا)الأنصاري هذا الجزء من صحراء أزواد كانت لديه استراتيجية واضحة هي إحياءُ مواتِ تلك الأرض ؛ لربطها ببقية أطراف الصحراء الأخرى؛وإن أثار(إنفا)التي تركها لتدلُّ على أنه نجحَ فى ذلك نجاحًا ملموسا..

فقد حفر هو وذريتُه سلسة مترابطة من الآبار المتصلة ببعضها بشكلٍ هندسيٍّ عجيب؛حيث تلاحظ أن معظم هذه الآبار توجد فى اتِّجاهٍ واحدٍ فى مناطقها الجغرافية كلها تقريبا..والعجيب أنك إذا صدرت من إحدى هذه الآبار متجهًا إلى التي تليها فإنك لا تكادُ تنحرف عن مسارك أثناءَ تنقلك بينهما قيد أنملة..والمدهش فى الأمر أن هذه الآبار متقاربة،والمسافات بينها متساوية بشكل دقيق..فلا تكاد تخرجُ من مراعي إحدى تلك الآبار إلا وأنت فى مراعي بئر أخرى..

وماؤك الذي حملته من البئر الأولى لن ينفد فى الغالب إلا وأنت عند الثانية بحول الله..وبهذا استطاع الأنصارُ تحويل ذلك الجزء من صحراء أزواد إلى شبكة مترابطةٍ من الموارد والمشارب التي تحولت اليوم إلى مناطقٍ آهلة بالسكان والحمد لله..

و(بئر تجوغ)هي واحدةٌ من تلك الآبار المهمة فى تلك الناحية من الصحراء،وقد حُفرت وجصِّصت يدويا،وبقيت شاهدا على براعة أبناء الصحراء ومهارتهم الهندسية؛حتى جاءت إحدى المنظمات التنصيرية المتنقلة فى تلك البلاد فرمّمتها هي وبعض الآبار المجاورة..

ومورد بئر(تجوغ)هو موردك الثاني بعد النهر إذا انطلقت من قرية(زرهو )إلى الجزائر..

ومن الجدير بالذكر أن هذه البئر توجد كغيرها من آبار الأنصار الشمالية على حافة الطريق الذي يربط بين دولة الجزائر الشقيقة وبين(قرية زرهو)وما بعدها من القرى فى هذا الإتجاه حتى مدينة(تنبكتو)مما يجعل هذه المنطقة منطقة استراتيجية فى المستقبل القريب بحول الله تعالى..

وإذا انطلقت من(قرية زرهو)الموجودة على ساحل نهر النيجير الشمالي بين(تغاروست)و(بنبا"أو"ألكصبى)واتجهت شمالا فإنك ستمر بعد حوالي 5كم بقرية(روض النعاج) ثم تمرّ بعد ذلك ببئر(إين أوشف) بعد حوالي 5 ساعات من سفر الجمال المحملة و4 للجمال التي لا تحملُ شيئا وحوالي ساعة للسيارة المحملة وربما أقل ؛ ثم بعد أن تقطع مثل هذه المسافة تماما ستصل إلى بئر(تجوغ)التى نتحدث عنها هذه المرة..

وحين زرنا تلك المنطقة عام 1430هـ 2009م مررنا مرُور الكرام على هذه البئر فصورنا هذا المشهد من هناك..

وهو مشهد دراميٌّ لشاب يسقي أنعامه حتى وقع حادثٌ صغيرٌ أدَّى إلى سقوط البكرة(الكركيرة)حسب اللهجة الحسانية الدارجة؛ فما تردَّد هذا الشاب فى دخول تلك الحفرة التي يبلغ عمقُها حوالي 100 متر لإخراج تلك البكرة؛ وقد ربط نفسه بحبلين وتدلّى فى البئر مباشرة وتعرَّض للأخطار حيث أن واحدا من الحبلين كان مقطوعا وهو لا يدري..

وكانت كمرتنا تراقب هذا المشهد باندهاشٍ شديد وكان الواردون فى تلك اللحظة هم عبد الصمد محمد إكنا الأنصاري وأبناء أخويه منير ومحمد وهم:(حمد على منير)و(شعيب وإبراهيم)ابنيْ محمد، ورجلان آخران من الأنصار أحدُهما اسمه( باكي) من أحفاد جدِّنا( تيْـلُولي)وآخر نسيت اسمه،وأيضًا هناك أعرابيان من جيرانهم البرابش أحدُهما يسمونه(شرغو..)

وهاهو الجزء المهم من هذا المشهد الدرامي المخيف..

وهو مشهدٌ يصوِّرُ أحد وجوه البادية وحياتِها القاسية..

وأخيرا تقبلوا تحياتي وشكرا.


ليست هناك تعليقات: