

قال لي أحدُ أعيانِ القومِ ذات يومٍ:يا فلان هل لاحظت ذلك؟؟..
قلتُ وما ذلك يا شيخنا؟.قال:ألا تلاحظُ أننا معشرَ سادة الصحراء كلما ولد فينا شجاعٌ شهمٌ نبيلٌ(إكمى العار)لا يلبثُ أن يُّصابَ بالجنُون أو الهلوسة فى العقد الرابع أو الخامس من عمره..
هذا إذا لم يجن قبل ذلك أصلا!!..
وإذا اغتنى أحدُنا بعد فقرٍ مُّدقعٍ أو كسَبَ ثروةً من عرق جبينهِ فى مكانٍ مَّا وجاء إلينا فنُلاحظُ دائمًا أنه لا يكادُ يقضِي عامًا أو عامين بيننا حتى ينضمَّ إلى قائمةِ المفلسين!!..
هذا إذا لم يفلس قبل ذلك!!..
وأخذ الرّجُل يثني أصابعه بدءً بالصُّغرى حتى ثنى إبهامَه وهو يعدُّ المشاكلَ والمعضلاتِ من واقعِ الحال واحدةً تلو الأخرى ويسردُها حتى ظننتُ أنه نسي ما كانَ يريد أن يقوله لي..فقاطعته قائلا:وما السبب برأيك يا أبا فلان؟؟..فتلوَّن وجهُ الشيخ واحمرَّت عيناه وقال:وهل يخفى السببُ على أمثالك يا بني؟؟..ألا يدلُّ دخانُ النار عليها!!؟؟..
السبب هو أنَّ ذلك الشُّجاع الباسل البطل الهمام الذي يزأر حول الحمى رابضًا خلف العرين"يستقبلُ الدُّخلاءَ ويجابهُ الأعداءَ"كلما أحسَّ بخطرٍ يقتربُ من سكان المحمية.. وارتضى لنفسه أن لا يكُون إلا فى المقدّمة شجاعةً ونُبلاً وكرمًا ونخوةً وحميّةً لعزّةٍ فى نفسِه وقوّةِ شخصيّته..
ذلك الدّرع الحامي والحصن المنيع الذي لا تكادُ تجدُ الضربةَ الأولى إلا فى مقدّمةِ رأسِه أو صدرِه أو أحدِ أطرافه الأماميّة إذا حمِـيَ الوطيسُ ونادي منادي القوم أين الشُّجعانُ أين فرسانُ القبيلة وحماتها؟؟..
السبب يا ولدي:هو أنَّ هذا"الشُّجاع"الذي تجدُه دائمًا يصارعُ الأهوال ويقارعُ الأندادَ ويُضحّي بنفسِه رخيصةً من أجل أجبن إخوته!!..إذا شيك قدَرًا بشوكةٍ يومًا أو ابتلي(بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ..)أو ناله شيءٌ مما ينالُ الجنودَ أمثاله من تبعات المواجهةِ المستمرّة وحُكم عليه بالقوَدِ أو الحبسِ عدْلاً أو جَوْرًا فسيقُولُ أوَّلُ من يسمعُ ذلك من إخوتِه الذين يظنُّ أنه كان يدافعُ عنهم:(يـِــيـيْ آديشْ أسَّانغْ سرسْ!!)..(ألْويْ بيرُو دِي نغِيلْ آدْ إيكَتْ تارْدَاسْتْ أنِّـــيــتْ إيكْنَـنَّوَتْ دَغسْ!)؛(أنّاسْ وَدِّيغْ ورْكْـيْ إيـهَـى العافيتْ!)..ثم يلوي رقبتَه إلى من يسْمعُه قائلاً:إيوا أكَّلتْ عبرة يا!!..
ويتهامسُ المتخاذلُون والمرجفُون ويسخرُون.. ويخوضُ الخائضُون في سيرته"تشويهًا وتسفيهًا"وينشغلُ القصاصُون الظرفاءُ بسرد القصصِ المضحكة عن هذا المتهوِّر الغبيِّ الأحمقِ الذي يُضحِّي بنفسِه من أجل الآخرين!!..وتسيلُ الرّوائح الكريهةُ بعد ذلك وتنتشرُ فى كلِّ مكان!!..
فإن وصله شيءٌ من هذا الهراء فلن يستسيغه بسهولة..وإن لم تعقل عنه العاقلةُ من قومه أو يكفله المجتمعُ أو يتكفَّلوا بسدادِ فواتيرهِ أو يتحمّلُوا عنه أعباءَ المسئوليةِ كاملةً فسيتوقّعُ أن يتحمَّلَ القومُ ثلثيها مثلاً ولكنه ما إن يكتشف الحقيقةَ حتى تتلوَّن الدنيا فى عينيه ويقولُ لنفسه هل أنا مقطوعٌ من شجرة؟..من أنا يا نفسي؟..ومن أكون بالضّبط؟..
ويبدأ المسكين بالهلوسة فى تلك اللحظة!!..
وأشجعُ شجعانهم هو من يتحمَّلُ هول الصّدمةِ الأولى ولا يخلعُ ملابسَه بين الناس!!..لأنَّ المسكين ربما كان يتوقّعُ أنه رجُلٌ محبُوبٌ نظرًا لكثرة تضحياته وكثرةِ الجماهيرِ التي كانت تهتفُ له حين يصارعُ الأهوال دفاعًا عن حمى الحمى..وربما أنه كان يتوقَّعُ أنَّه يأوي إلى ركنٍ شديد وخلفه قبيلته ودولتُه ولا يخافُ من أيِّ شيءٍ فى هذه الدنيا غير الله تعالى..
بينما الحقيقة التي لا يعرفُها إلا أهلُ الخبرةِ أنّ جماهيرَ المتفرِّجين تلك لا يهمّهُم"شخصُه الكريم"فى قليلٍ ولا كثيرٍ ولا يهمُّهم دورُه ولا ما كان يفعله من أجلهم..بل ما يهمّ تلك الجماهير هو أن(يستمتعُوا بمشاهدة الدراما والألعاب النارية من بعيد!!..)أما لعبة العمل الميداني ومواجهة المشاكل فيجبُ أن يلعبها شخصٌ آخر أقلّ ذكاءً لكي يكون كبش فداءٍ إذا استدعى الأمر..فهذا آخر الزمان..ومن يهتمّ بغير نفسِه فسيعدُّهُ الأنانيُّون غبيًّا وأحمقًا..ثم إنّ المسألة أصلاً فيها خلافٌ بين الجبناء!!..
والراجحُ أنها"فرضُ كفاية"إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين!!..
فلم قد يزجُّ غير المتهورين المرائين الذين يبحثُون عن الشُّهرة أنفسَهم فى المشاكل!!.. ولم لا يتسللُ الأذكياءُ من خلفِ الصُّفُوف إذا ادلهمَّت الخطوبُ واختلط الحابل بالنابل؟؟..
وهنا صرخ الشيخ غاضبًا..
تالله لئن استمر سادة الصحراء فى ذلك أكثر من هذا فأخشى أن لا تنتهي الدُّنيا حتى تبُولَ الإماءُ على أشرافِهم ثم لا يحرِّكون ساكنًا!!..حسبنا الله.
ثم أجهش الشيخُ بالبكاء(فأسرّها يوسفُ فى نفسِه)وتنهّدَ قليلاً بعد ذلك وتنفسَ الصُّعداء قائلا:آهٍ على مستقبلكم يا أبطال الصحراء!!..
*******************
ورغم أنني مستمتعٌ بكلام هذا الرجل الذي غاص بي فى أعماقِ المحيط إلا أنني أحسستُ بأنه أطال كتم النفس وبقي فى الأعماق طويلاً..وهنا بدأتُ أهمُّ بالنظر فى ساعتي لعله يعتبرُها إشارةً مني إلى ما تحدُّثني به نفسي من مقاطعته مرةً ثانية..ولكنّ الشيخَ الفطنَ رأى ذلك فى عينيَّ فعادَ بي إلى أعماقِ المشكلةِ الثانية التي ظننتُ أنه نسيها أصْلا..وأخذ يتحدثُ بنفس الأسلوب بتفصيلٍ وتأنٍّ وأنا أستمع إليه بكلّ اهتمام..
قائلا:إنّ مما قَضَى على أملِ شباب هذا المجتمع فى الحياة وزهَّدَهُم فى العلم والعمل هو أن سادةَ الصَّحراءِ أثَّرَ فيهم الإستعمارُ سلبيًّا فغيَّـرَ طباعَهم الحميدة كالإيثارِ والإلتزامِ بالمواثيقِ فنتجَ عن ذلك إعدادُ أجيالٍ كاملةٍ من المفلسين المحبطين التعساء المتواكلين الذين لا يؤمنُ أحدُهم بغير الفشلِ والهزيمةِ والإفلاسِ ببسبب الجشعِ والطّمعِ والأنانية!!..
فقلت وكيف ذلك بالله عليك؟؟.. فقال..وتسألُ أيضًا؟؟..قلت نعم فما أنا إلا طالبٌ صغير فى مدرسةِ أمثالكم من الخبراء؟؟..فقال:يا بني إنّ الحقيقة هي أنّ هذه المشكلة تعدُّ من أكبرِ مشاكلِ المجتمع المعاصرة!!..
وهذه المشكلةُ هي أنَّ سادةَ الصَّحراءِ الأوائل قومٌ عدُولٌ أتقياءُ أنقياءُ علماء عامِلُون وزهَّادٌ حقيقيُّون عرفُوا بالتّعفُّفِ والتقشُّفِ واحتقارِ الدنيا..أما أمثالكم من خلَفِهم فقومٌ متزهِّدُون وليس زهدُهم حقيقيًّا ولذا قلَّ أن يشقَى أحدُهُم فى عملٍ شاقٍّ لأجلِ كسبِ المال واكتنازِه للمستقبل أو ليوسِّعَ على نفسِه..ولا ننكر أنهم تأثرُوا بأسلافهم تأثُّرًا واضحًا وتأسَّوا بهم فى عدم الإهتمامِ بمناصب الدنيا ومراتبها وعدم التناحُر عليها مع المنافسين والشركاء وعدم التقاتل مع إخوانهم عليها..
ورغم أنَّ ظاهرَ ذلك حسَنٌ إذا اقتنعنا بأنه ناتجٌ عن غير الكسلِ والخـمُول والتواكل والتغافُل والتساهل والتناسي والجهل بأمُور
السّياسةِ وقوانين الدنيا..إلا أننا نجدُ أنّهم قد ابتلوا بسُلوكٍ آخر فى غاية الشناعة عند الآخرين وهو أنهم يتزهّدُون فى الأعمالِ أيضًا ويتهرَّبُون من المشاقِّ والصّعَاب ليس زُهدًا فى الدنيا"هذه المرّة"بل تواكلاً فقط!!..
ولو خُير أفقههم بين الغِنى مع الشَّقاءِ والتعاسَةِ وبين الفقرِ مع الراحة لاختار الأخير بلا تردّد!!..وهم مع ذلك لا يدَّخرُون لغدِهم شيئًا..ولو وَّجد أحدُهُم كنوزَ الدُّنيا لصرفها على نفسِه ومن حوله فى مدة قياسية جدًّا.. والأدهى من ذلك أن فقيرَهم وغنيّهم فى ذلك سواء!!..بل إنّ بعضَ الفقراءِ الذين يتظاهرُون بالغنى يبالغُون كثيرًا هذه الأيام!!.. فإننا نلاحظُ أنَّ أحدَهم يقترضُ مالاً كثيرا لإطعامِ نفرٍ من أصحابه ببذخٍ وإسرافٍ واضح كي لا يُتّهم بالفقر أو البخل!!..ولو اكتفى بما في البيت لكفى..وتجدُه يقترضُ لذات الأسباب باستمرارٍ مع كونه عاطلاً عن العمل ولا يأتيه نهايةُ العام إلا وعليه من الدُّيون ما لا قبل له به..
ومع ذلك لو لم يُقرضْهُ آخِرُ مقصُودٍ من أهله وذويه لعاداهُ وهجرَهُ بقيّةَ عُـمُره ومهما اعتذر له فلن يُعذِرَه ولن يسامحه أبدا لأنه سيعدُّ ذلك أمرا شخصيًّا لا علاقة له بالغنى ولا الإفلاس!!..
ولكن هذا السُّلوكَ السلبيَّ الأخير ليس هو جوهر المشكلة الأساسية التي أحدِّثك عنها!!..وهنا بالذات..أحسستُ بالملل ثانيةً وأردتُّ أن يختصر الشيخُ كلامَه..فقلتُ له وما هي المشكلة إذا يا أبا فلان؟؟..
فقال:إن المشكلةَ هي أنَّ هناك رجالاً مجتهدِين مُكافحين مناضِلين يخرج أحدُهم من بلده مغتربًا بحثًا عن"العلم والمال"ولا يهدأ بالُ أحدِهم حتى يدَّخِر لغدِه من المالِ ما يعتقدُ أنه يكفيه بقيَّة حياته!!..فإذا عاد بذلك المال إلى بني قومه فسيتسابقُون إليه واحدًا تلو الآخر"هذا يقترضُ وذاك يستَجدِي"هذا يقاسمه المنافعَ وذاك يسلبها بسبُلٍ شتّى"ذاك يتحدّثُ عن السّخاء وهذا يبحث عن الأسخياء"هذا يطلبُ هبةً وذاك يريد هديّةً"هذا يعرضُ خدماته بتعفُّفٍ وذاك يمنحُها عن طيب نفس..
ويتوافدُ القومُ على أخيهم هكذا غدوًّا وعشيًّا وهو يحاولُ تلبيةَ مطالبهم حسبَ فهمِه للأمُور وفقًا لما يتطلبه الموقفُ من نُّبلٍ وشهامةٍ وكرمٍ وسخاء..(هاردغ أكَّسَنْ أشَّكْ آسْ أهَالسْ يا أسبكبك!!)..أنا بصراحة أعجبتني السّباحة هذه المرّة!!..ولم أعد أنطق ببنت شفة.. والرّجل ما شاء الله تبارك الله ينفضُ عباب البحر نفضًا كأنه يقرأ من كتابٍ مفتُوح!!..
واستأنف قائلا:وإذا أنشأ المسكينُ بينهم مشرُوعًا تجاريًّا صغيرًا أو كبيرًا فسيقترضُون منه البضائعَ مرّاتٍ ومرّاتٍ ولا تسمحُ لأحدِهم نفسُه بأن يُسدِّدَ فلسًا من الدَّينِ الأولِ إلا إذا اقترضَ ضِعْفيْه مرةً أخرى!!..
وكأنه يخشَى أن يُّفلسَ أخُوهُ قبل أن يأخذ نصيبَه من الغلّة المشتركة!!..
وأكّدت التجارب أنَّ هذه الفوضى لا يكادُ يخرجُ منها حتى وأفـى أوفياء سادة الصحراء.. بل ولا يخرجُ منها حتى الموسرين منهم..لأنّ مسألة الإقتراض عندهم لم تعد مسألة حاجة وفقر فقط..بل يأتيك أحدُهم يطلبُ قرضًا ليختبرَ ولاءَك له ويختبرَ جُودَك وكرمَك وعقْليتَك التي تُفكِّرُ بها.فإن كنتَ ممّن يفكرُ فى اكنتازِ الأموال بين الفقراء والبؤسَاء والمحرُومين..فلا بارككَ اللهُ ولا نجَّى مشرُوعَك من الكسَاد ولا نجت تجارتُك من البوار..أنت أعدى أعداء القوم وأبخل بخلائهم!!..
(كي ورْ تفليسَدْ آئتْماكْ!!)(إفالْ كـَيْ سَرْهُو)(ورهَكْ دِيهيلْ مسِّينغْ!!)..
وهذه العبارات يَعرِفُ الإنسانُ إذا سمعها أنها خرجت من جوف قذرٍ وباطنٍ مُنتنٍ مما يدلُّ على الكراهيةِ والحسَد والأنانيةِ والطمع والجشع..
وإن كنتَ ممّن(يؤثرُون على أنفسِهم ولو كان بهم خصاصة)و(يُعطُون عطاء من لا يخشى الفقر)ويُغدِقُون العطايا على قومهم بلا حسَابٍ فأنت كأيِّ واحدٍ من غرباءِ سادة الصحراء السُّذَّج وحمقى الحضارة..
أنت مجرّد غبيّ مُراءٍ أحمق..(آدي هرت نا أمدَل أدْ إفالنْ إيكالَّنْ نا آرابنْ إيلَّينْجَتْ تيكُوتاوِين آرْتَنتْ إزِيزُّورْ دِيهى!!)..وسُيُفلسُ المسكينُ قريبًا ويعودُ من حيثُ أتى"هههههه!!هههههه"وتتعالى الضَّحكات!!!..
وهنا مربط الفرس يا بني..لا مخرج من هذا المأزق أبدًا إلا بشفاءِ الصُّدُورِ من الأمراض التي أنتنتها فلم تعد تنبيءُ عن غير المكائد!!.
اللهم يا ربِّ عافنا واعف عنا واغننا بالحلال عن الحرام وبفضلك عن من سواك وطهّر قوبنا من النفاق والغل والحسد وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب اللهم أصلح بلادَنا وشعوبها وأئمتها وولاة أمرها..
آمين يا ربّ العالمين..(أنشاهيد آلياضين أطّفقَّـيْ فل أشغلنّك!!.
وصرفني الشيخ..والحمد لله..
*****************
إخوتي الكرام:أرجوكم ساهموا فى بناء المستقبل بإسداءِ المعرُوف ونشرِ الخير وتطهيرِ الأفئدةِ بالكلمةِ الطيبةِ والكفِّ عن نشر الكلمة الخبيثة؛ وبالدّعاء أن يشفي صُدُورنا ويُطهِّرَ من الغلِّ والحسدِ قُلوبنا ويحمينا والمسلمين وأوطاننا من كلّ سوء..(ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ،وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ.) [الأعراف :55-56])..
*****************
تقبلوا تحياتي وشكرا.


هناك 4 تعليقات:
المشكلة أننا جميعاً أخوة و أقارب ومسلمين و الحمد لله و لكننا نغفل أو نتغافل عن قانون التغيير الذي سنه تعالي غز و جل (إن الله لا يغيير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) لست متخصص في التفسير أو اللغة و لكني أعرف أن حرف ( لا) يعني آداة نفي قاطع .
إذا هل بالإمكان القفز فوق هذا القانون الرباني ؟
البداية إذا تكون مع النفس و البداية مع النفس تكون بتفعيل النفس اللوامة التي أقسم بها تعالى عز وجل.
طبعا إنها بداية صعبة وسهلة :
صعبة لأن القليل فقط مستعد للتنازل عن أوهامه و أطماعه و أنانيته .
وسهلة لأن حكمة الله أقتضت أن هذه القلة تشكل النصاب اللازم للتغيير لأن ( أكثر الناس لايعلمون) .
بالطَّبع لا يمكن القفزُ فوق نواميسِ الكونِ الإلهيةِ وقوانينه..
ولا شك أنه من التعالي والتعامي"تجاهل العاقل الواعي كاملِ الإدراك" لكلِّ ما يدُورُ حوله من أحداثٍ غيرت وتغير مجرى الحياة..وكأنه لا ينتمي إلى العالم الذي يعيشُ فيه..أو لا يهمُّه ما يحدثُ فيه من تغيرات..
فلا هو ممّن يستشعرُ الأهوالَ والأخطارَ المحيطةَ ببيئتِه ولا حتى تلك التي تهدِّدُ استقرارَه وطمأنينتَه..ولا هو ممّن يحاولُ الإهتدَاءَ إلى السّبُل المثلى التي قد تُؤدِّي إلى الغايات الحميدة التي اهتدى إليها أمثالُه ممّن
نجى..بل يفضِّل أن يلعبَ دور الأخرس الذي لا يرى ولا يسمع..
وإن أُجبرَ على استعمالِ هاتين الحاسّتين فلن يجد حرجًا فى إنكار علاقته بما يقالُ عن أمثاله وما يحدُث لهم!!..فهو بريءٌ طهورٌ..
وحين يتلاومُ المخطئُون تجدُه بعيدًا عنهم جدًّا..لأنه يتذكرُ جيدًا أنه لم يخُضْ مع القائلين حين خاضُوا ولم يلطِّخ يدَه بأية أخطاء مشهودَة..
إذا لا أخطاء غير التي يرتكبها المتكلمُون ولا مخطئين غيرهم..فلا حاجة لتغيير شيءٍ غير عادةِ الثرثرةِ وعادة نشر نظرية المآمرة التى تعوّدُوها..
******************
ورغم أن عازفي تلك السينفونية أكثر عددا من غيرهم إلا أن ذلك ليس مبررا كافيا لترك سنن المصلحين..
ففي ما يتعلق بالمبلَّغين..
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً.)[الكهف : 57]..
أما لمفسدون فسننهم:(لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً.)[الأعراف : 164]..
وفيما يتعلق بك أنت أيها المصلح..
لست مكلفا بغير إصلاحِ نفسِك والإرشادِ إلى الطريق.. أما التوفيق فهو بيد الله تعالى"يهدي من يشاء ويضل من يشاء"..والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء..
****************
أما التغييرُ الحقُّ فهو كما ورد فى موسوعة المفاهيم الإسلامية:
( بعضُ سُننِ الله فى الآفاقِ وفى الأنفسِ والتي قوامُها تغييرُ ما فى النفسِ .
أي التغييرُ الداخليُّ لنفسِ الإنسانِ وهُو ما لا يتمُّ عادةً إلا بتغيير الفكرِ الذي يتمُّ معه تغييرُ السُّلوك.
وبه تقاسُ أحوالُ الأقوام والأمَمِ بين الضّعفِ والقوةِ وبين السُّقوطِ والنُّهُوض.وهذا ما قرَّرهُ القرآنُ الكريمُ فى قول الله تعالي:(إنّ الله لا يغيِّرُ ما بقوم حتّى يغيرُوا ما بأنفسهم. )
وفى ضوءِ هذه السُّنة القرآنيةِ التي قوامُها الالتزامُ بمنهَجِ الله أو البُعد عنه:تسير مصائرُ الأفرادِ والأمَمِ بين الازدهار والانكسار.
************
مع خالص الشكر وفائق التقدير
والله أنه ماعندكم سالفة حقون كلام وبس
حبيبي أنت أيها البطل الأخرس الأصم الأطرش الأبكم..
على الأقل نحن نكتب مئات الصفحات ولا نقول إلا ما نظنه خيرا حسب علمنا واجتهادنا ووقيمنا ومبادئنا وهذا كل ما أوجبه الله علينا من الكلام..
أما العمل فالمرء أدرى بنفسه!!..وآمل أن لا يكون عملك مثل كلامك..فكما ترى وأرى أنت لا تستطيع أن تقول خيرا حتى فى سطر واحد!!..
وكما تلاحظ إن صمتكم أشبه ما يكون بصمت السوأة أكرمنا الله وأعزنا فهي إذا نطقت وجب على الحاضرين تنزيه حواسّهم لأنها لا يخرج منها إلا الخنا والقذارة!!..
واسمح لي أن أقول لك إننا لا يشرّفنا أن نصمت عن قول الحق وإذاعتِه وإنكار المنكر وتغييره..
ثم منذ متى صار الكلام بالحق عيبا؟؟..أليس الساكت عن الحق شيطان أخرس كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؟؟..
أيتها الخرساء الصماء البكماء الحمقاء الخرقاء الجاهلة يسرنا أن نخبرك أنك لست قدوة لنا فى شيء!!.
نحن قدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوه بإحسان إلى يوم الدين.
فقولي خيرا أو اصمتي.
إرسال تعليق